السيد محمد حسين فضل الله

40

من وحي القرآن

وجاء في كتاب علل الشرائع : « دخل أبو حنيفة على الإمام أبي عبد اللَّه عليه السّلام فقال له : « يا أبا حنيفة ، بلغني أنك تقيس ؟ قال : نعم ، قال : لا تقس فإن أول من قاس إبليس حين قال : خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ، فقاس ما بين النار والطين ، ولو قاس نورية آدم بنورية النار عرف فضل ما بين النورين وصفاء أحدهما على الآخر » « 1 » . لقد وقف أئمة أهل البيت موقفا حاسما من القياس كدليل من أدلة الأحكام الشرعية ، انطلاقا من عدم وجود أساس يقيني له في مسألة الحجية ، فالقياس هو عبارة عن تسرية حكم من موضوع إلى موضوع آخر بلحاظ وجود خصوصية مشتركة بينهما ، على أساس اعتبار هذه الخصوصية هي العلة للحكم الشرعي في الموضوع الأول ، مما يجعل الحكم في الموضوع الثاني خاضعا لوجود علته ، ولكن الملاحظة الدقيقة ، هي أن استنباط العلة - في أغلب الموارد - لا يخضع لليقين بها ، بل يحصل من حالة ظنية تلتقي مع احتمال الخلاف ، لأن من الممكن أن تكون هناك خصوصية أخرى في الموضوع الأول هي التي أنتجت الحكم ، وربما يكون لاجتماع الخصوصيات الأخرى إلى جانب الخصوصية المشتركة دخل في جعل الحكم ، بل ربما تكون هناك خصوصية خفية لم يدركها الباحث هي الأساس في الحكم ، فيكون إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر حاصلا من الظنّ الذي « لا يغني من الحق شيئا » ولا دليل على حجيته من ناحية خاصة . وربما يذكر البعض مثالا لابتعاد القياس عن الصواب مثال « البول » و « العرق » ، فقد حكم على بول الإنسان بالنجاسة وحكم على العرق بالطهارة مع أنهما متشابهان في خروج كلّ منهما من داخل جسم الإنسان ، فهل يحكم على العرق بالنجاسة لأجل ذلك ، في الوقت الذي يفترقان بأن أحدهما أرقّ والآخر أغلظ ، وأن الاجتناب عن

--> ( 1 ) الكافي ، ج : 1 ، ص : 58 ، رواية : 20 .